أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
421
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقد تقدم اشتقاق هذه المادة ، وأنها تدل على الاتساع ومنه : « النهار » لاتساع ضوئه عند قوله : مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ « 1 » والاختلاف مصدر مضاف لفاعله ، المراد باختلافهما أن كل واحد يخلف الآخر ، ومنه : جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً « 2 » وقال زهير : 791 - بها العين والآرام يمشين خلفة * وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم « 3 » وقال الآخر : 792 - ولها بالماطرون إذا * أكل النّمل الّذي جمعا خلفة حتّى إذا ارتبعت * سكنت من جلّق بيعا « 4 » وقدم الليل على النهار لأنه سابقه قال - تعالى - : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ « 5 » وهذا أصح القولين ، وقيل : النور سابق الظلمة ، وينبني على هذا الخلاف فائدة : وهي أن الليلة هي تابعة لليوم قبلها أو لليوم بعدها ؟ فعلى القول الصحيح تكون الليلة لليوم بعدها ، فيكون اليوم تابعا لها ، وعلى القول الثاني تكون لليوم قبلها فتكون الليلة تابعة له ، فيوم عرفة على القول الأول مستثنى من الأصل فإنه تابع لليلة بعده ، وعلى الثاني جاء على الأصل قوله : « والفلك » عطف على « خلق » المجرور ب « في » لا على « السماوات » المجرورة بالإضافة ، والفلك يكون واحدا كقوله : فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ « 6 » وجميعا كقوله : فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ « 7 » فإذا أريد به الجمع ففيه أقوال : أحدها : قوله سيبويه ، وهو الصحيح أنه جمع تكسير فإن قيل : جمع تكسير لا بد فيه من تغير ما ، فالجواب أن تغييره مقدر ، فالضمة في حال كونه جمعا كالضمة في « حمر » و « ندب » وفي حال كونه مفردا كالضمة في قفل ، وإنما حمل سيبويه على هذا ، ولم يجعله مشتركا بين الواحد والجمع نحو : « جنب » و « شلل » أنهم لو قصدوا الاشتراك لم يثنوه كما لا يثنون جنبا وشللا ، فلما ثنوه وقالوا : فلكان علمنا أنهم لم يقصدوا الاشتراك الذي قصدوه في جنب وشلل ، ونظيره : ناقة هجان ، ونوق هجان ، ودرع دلاص ، ودروع دلاص ، فالكسرة في المفرد كالكسرة في كتاب ، وفي الجمع كالكسرة في رجال ، لأنهم قالوا في التثنية هجانان ودلاصان . الثاني : مذهب الأخفش أنه اسم جمع كصحب وركب . الثالث : أنه جمع فلك بفتحتين كأسد وأسد ، واختار الشيخ « 8 » أنه مشترك بين الواحد والجمع ، وهو محجوج بما تقدم من التثنية ، ولم يذكر لاختياره وجها . وإذا أفرد « فلك » فهو مذكر قال - تعالى - : فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ قالوا : ومنهم أبو البقاء : ويجوز تأنيثه مستدلين بقوله : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فوصفه بصفة التأنيث ، ولا دليل في ذلك لاحتمال أن يراد به الجمع ، وحينئذ فيوصف بما توصف به المؤنثة الواحدة . وأصله : من الدوران ومنه : « فلك السماء » لدوران النجوم فيه ، وفلكة المغزل ، وفلكت الجارية استدار نهدها ، وجاء بصلة « التي » فعلا مضارعا ليدل
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 25 ) . ( 2 ) سورة الفرقان ، آية ( 62 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 103 ) ، وقوله ( خلفة ) ، أي إذا ذهب منها قطيع خلف مكانه قطيع آخر . ( 4 ) البيتان لأبي دهبل الجحمي انظر الكامل ( 1 / 218 ) ، اللسان والتاج « مطر » . ( 5 ) سورة يس ، آية ( 37 ) . ( 6 ) سورة الشعراء ، آية ( 119 ) . ( 7 ) سورة يونس ، آية ( 22 ) . ( 8 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 455 ) .